الترجمة الأدبية بين أمانة النقل، والخلق الموازي

إبراهيم عادل

كم مرة شرعت في قراءة روايةٍ من الأدب العالمي، فلم تكملها لصعوبة اللغة وغرابة الترجمة، بل كم مرة شعرت بالضيق أثناء القراءة، وكأنك تقرأ نصًا غريبًا بمفرداتٍ عربيّة، وشعرت أن ما تقرؤه يحتاج إلى إعادة صياغة حتى يستقيم المعنى ويكون يسيرًا على الفهم!

يدرك الراسخون في قراءة الأدب، ولا سيما الأدب العالمي، أهمية بل خطورة دور «المترجم»، إذ هو الوسيط الوحيد الذي ينقل إلينا العمل من خلاله، لا سيما لمن يتعذر عليه قراءة العمل بلغته الأصلية، وعلى أساس ترجمته تلك يكون تلقينا للعمل ودرجة تفاعلنا معه، واقترابنا من عالمه وتقبله، والراسخون في القراءة والكتابة الأدبية أيضًا يدركون ببساطة أن لكل كاتبٍ طريقته وأسلوبه الخاص، الذي ينبغي على «المترجم» أن يسعى جاهدًا لكي يستوعبه ويفهمه حتى يتمكّن من إجادة نقله إلى لغتنا العربية متفقًا مع طرق العربية وأساليبها.

في كتابه المهم «فن الترجمة» الذي يعده الكثيرون عمدة الكتب التي تناولت الترجمة حديثًا، ولا غنى عنه لأي مترجم محترف، يذكر «د.محمد عناني» تعريفه المانع للترجمة فيقول:

الترجمة فنُ تطبيقي.. أي أنها حرفة لا تتأتّى إلا بالدُربة والمِران والممارسة، استنادًا إلى موهبة، وربما كانت لها جوانب جمالية، بل ربما جوانب إبداعية.. فلا يمكن لأي أستاذٍ في الأدب أو في اللغة أيًا كان حظه من العلم بالإنجليزية أو العربية أن يخرج لنا نصًا مقبولاً عن إحدى لغتين دون ممارسةٍ طويلةٍ للترجمة”.

كما يضع عددًا من الإشارات المهمة التي يجب على أي مترجم أن يراعيها قبل الشروع في الترجمة، موضحًا خطورة دور المترجم والفرق بينه وبين كاتب النص الأصلي فيقول:

أمّا المترجم فهو محروم من الحرية الإبداعية والفكرية، لأنه مقيد بنصٍ تمتع فيه صاحبه بهذا الحق من قبل، وهو مكلف الآن بنقل هذا السجل الحي للفكر من لغةٍ لها أعرافها وثقافتها وحضارتها، إلى لغةٍ ربما اختلفت في كل ذلك، والعلم بهذا كله ليس أمرًا ميسورًا ومتاحًا للجميع، بل يتطلب سنواتٍ طويلة من التبحر في آداب تلك اللغة، ومع ذلك هو مُطالب بأن يخرج نصًا يوحي بأنه كُتب أصلا باللغة المُترجم إليها.. وإذا كان على المترجم أن يجيد فنون الكتابة باللغة التي يكتب بها، فعليه أيضًا أن يجيد فهم النصوص التي يترجم منها، ولا يكفي في هذا الاستعانة بالقواميس وكتب النحو.. بل عليه أن يكون ملمًا بعلوم العصر، فهو يحتاج إلى الإحاطة بمعلوماتٍ كثيرةٍ عن العالم الذي نعيش فيه إحاطة تمنع الجهل.

ورغم أن الترجمة العربية قطعت شوطًا كبيرًا لا بأس به في ترجمة كنوز الأدب الغربي إلى العربية، فإن القارئ يفاجئ بين الحين والآخر بعددٍ من الترجمات، سواء كانت قديمة أو حديثة، تقف عثرة في وجهه لا تجعله قادرًا على مواصلة قراءة العمل والاستمتاع به بالفعل!

ويبدو أنه كما أن الترجمة تحتاج إلى ممارسة وطول مران، فإن قراءة الأدب المترجم كذلك تحتاج إلى صبرٍ وطول بال، حتى يعي القارئ الفرق بين عددٍ من الترجمات، ويستقر رأيه على مترجمٍ بعينه، يشعر أنه ينقل النص نقلاً أمينًا كاملاً، وفي الوقت نفسه هو حريصٌ على اللغة التي ينقل بها، فلا نجد عنده لفظًا غريبًا أو استخدامًا لغويًا شاذَا.

آراء القرّاء

سألت «حسن عدس» عن الترجمة الأدبية وملاحظاته عليها بوصفه قارئا شغوفا ومطلعا على عديد من الإصدارات الأدبية، فأشار إلى أنه لاحظ أن هناك نوعين من الترجمة: الترجمة «الحرفية الأمينة»، و«الترجمة الأسلوبية»، في الأولى ينقل المترجم النص حرفيًا دون أن يتدخل فيه بأسلوبه، أما الثانية فهي إعادة كتابة للنص بالأسلوب العربي، وهذه هي ـ فيما يرى ـ الترجمة التي تروق القارئ العربي، والتي يقدمها أعلام مهمون في الترجمة مثل «سامي الدروبي»، و«صالح علماني»، و«خالد الجبيلي» وغيرهم.

ومشكلة هذا النوع من الترجمة حينما يتدخل المترجم ويعدّل في النص الأصلي أو يحذف منه بدعوى عدم ملاءمة النص الأصلي لأخلاقيات وقيم القارئ العربي، مثل ما فعل «دريني خشبة» في ترجمته «للإلياذة والأوديسة» حيث حذف ثلثي الكتاب بسبب أن فيها كفرا لا يتناسب مع عقيدة القارئ العربي!

ويضيف حسن: أمّا الترجمة الحرفية فنجدها في سلسلة المائة كتاب «للهيئة العامة لقصور الثقافة»، ومشكلتها أن النص يكون صعبًا غير مفهوم بالنسبة للقارئ العربي، رغم دقة الترجمة وأمانتها، لأنه تعوّد على أسلوبٍ خاص أقرب ما يكون إلى الكتابة العربية، مما يجعله يصف هذه الترجمة بأنها ترجمة سيئة، فالقارئ العربي يحتاج إلى لغة سهلة يفهمها.

وخير مثال على ذلك رواية «زوربا اليوناني» التي صدر لها عدة ترجمات، كان آخرها الترجمة عن اليونانية للدكتور «محمد حمدي إبراهيم» في سلسلة المائة كتاب، كما كان قد ترجمها «خالد الجبيلي» قبل ذلك في طبعة صدرت عن دار الجمل، فبالمقارنة بين الترجمتين، نجد أن الأولى أكثر دقة وأقرب للأصل اليوناني، والثانية أقرب للكتابة العربية، فيفضل القارئ العربي الترجمة الثانية ترجمة خالد الجبيلي على الأولى.

أمّا «دينا نبيل»، والتي تقوم بكتابة مراجعات لعشرات الكتب شهريا من خلال صفحة «رفايع» علي موقع فيس بوك، فترى أننا نميل إلى الأدب المترجم بصفةٍ عامة لأنه يمثّل ثلاثة أرباع التراث الإنساني، وليس في الأدب فحسب بل كل مجالات العلوم الإنسانية مثل كتب التاريخ والحضارة وعلم النفس وغيرها، كما أنها تشمل عصورًا مختلفة من الأدب الكلاسيكي اليوناني والروماني إلى العصر الحديث.

أمّا فيما يخص المترجمين، فتتفق مع الرأي الذي يفضّل ترجمة «صالح علماني» على من سواه، لا سيما وقد قدّم لنا أدب أمريكا اللاتينية كله، كما تشيد بمجهود «سامي الدروبي» في نقل الأدب الروسي وترجماته المهمة لأعمال «دستوفيسكي»، وكذلك «محمد عناني» وترجمته الفريدة «للفردوس المفقود» لجون ميلتون.

أما أسوأ المترجمين في وجهة نظرها، فهم الذين يتدخلون في النصوص المترجمة بالحذف أو التعليقات أكثر من اللازم، وهو ما لاحظته في بعض ترجمات كتب «سيجموند فرويد»، وما فعله «محمد بدران» في ترجمته «لقصة الحضارة» لول ديورانت، رغم أنه مترجم رائع، ولكن إصراره على الحذف والتعليق أفسد الكثير من مجلدات «قصة الحضارة».

وهكذا تتعدد الآراء وتتباين، ولكن يبدو أن ثمّة اتفاقا في النهاية على أهمية الترجمة، والدور المنوط بالمترجم الذي لا ينقل لنا الأدب فحسب، وإنما ينقل لنا الفكر والثقافة والعادات والتقاليد الخاصة بالشعوب الأخرى، والذي يجب أن يكون ملمًا بها حتى تأتي ترجمته مثاليةً على النحو المطلوب.

جيل جديد من المترجمين

ولعله من حسن الحظ أن ظهر مؤخرًا جيل جديد من المترجمين، حمل على عاتقه هم الترجمة، وكانت له رؤية مختلفة وإدراك خاص لمهمة الترجمة في نقل الأدب غير العربي شرقًا وغربًا، وتقديمه إلى القارئ العربي بشكل مناسب، استطاعوا في فترةٍ زمنية قصيرة نسبيًا أن ينتقلوا من مرحلة كون الترجمة تجريبًا وهواية، إلى مرحلة الاحتراف والإتقان، ذلك الذي جعل أسماءهم تبرز في تلك السنوات الأخيرة.

من هؤلاء «يزن الحاج» وهو مترجم سوري حاصل على إجازة اللغة الإنجليزية عام 2007، ترجم عددًا من أعمال «ألبرتو مانغويل»؛ «مدينة الكلمات»، و«عودة»، و«عاشق مولع بالتفاصيل»، كما ترجم «ضوضاء بيضاء»، و«لدون ديليلو» وغيرها، يقول يزن في شهادةٍ له نشرها موقع «تكوين»؛

“مع انتقال المترجم من الهواية إلى الاحتراف يتغيّر كل شيء فعليًا. ينتهي الشغف ويبدأ الواجب. وأظن أن عمل المترجم هو محاولة التوفيق بين الشغف والواجب، وإن كان يُدرك تمامًا عبثية المحاولة […] لا بد أن يبقى المترجم خفيًا كي تكون ترجمته أفضل. وكلما تضاءل حضوره، تعاظم أثره. هذه هي الجدلية التي لا معنى للترجمة من دونها. لا ينبغي للمترجم أن يُطل برأسه في كتابٍ ليس له، بل عليه تسليط الانتباه كله إلى المؤلّف فقط. واجب المترجم هو النقل الأمين لا أكثر. المترجم هو سيد اللعبة، ولكن براعته تتألق مع غيابه”.

«معاوية عبد المجيد» مترجم سوري آخر، من مواليد 1985، قدم للمكتبة العربية عددًا من الروايات المهمة عن الإيطالية، يقول في حواره مع نصر سامي بجريدة «عكاظ»؛

“تبدو الترجمة كأنها لعبة كلمات متقاطعة لا حدود للمترادفات فيها. أطّلع على جديد الأدب العربي، ولا أخفي أنني أشعر بأنّ المنافسة ليست بين المترجمين أنفسهم بل بينهم وبين الكتّاب والأدباء من أبناء جلدتهم. والحقّ أنّ الترجمة الأدبية تغذّي الأدب المحلّي وقلّما نجد العكس صحيحاً. وفي الأدب وحده نكون قادرين على تصوّر عالم مختلف وتخيّل أنفسنا مختلفين في هذا العالم”.

«يارا المصري» مترجمة مصرية، تُعد أصغر هذه القائمة سنًا (مواليد 1988) تترجم عن الصينية، حصلت على المركز الأول في مسابقة «أخبار الأدب» للشباب لعام 2016، ترجمت «الذواقة»، و«الفرار»، و«أحتضن نمرًا أبيض وأعبر المحيط»، تتحدث عن الترجمة ومنهجها فيها في شهادتها لموقع تكوين فتقول:

“قبل البدء بترجمة أي عمل أدبي أطالع في البداية حياة الكاتب والظروف التي أحاطت بكتابة النص، وأجمع كل المقالات النقدية التي كتبت عن النص بما في ذلك تقييم القراء، ثم أراجع العمل مرتين أو ثلاث مرات، وأبحث عن لقاء تلفزيوني أو ندوة شارك بها الكاتب، ثم أبدأ بالترجمة. ولا بد أن يكون المترجم قارئًا، بل قارئًا نهمًا، فلا أثق في المترجم الذي لا يقرأ، فالقراءة عمود أساس في مهنة الترجمة، ناهيك عن أهمية فعل القراءة في يومنا هذا. أعود وأقول إن العمل الأول يضعك في خط البداية، فتدرك بعدها إن كنت ستكمل هذا المسار أم لا، ومع كل ترجمة عمل جديد، ستنتبه مرة أخرى إلى ما ينقصك، من فهم اللغة ومفراداتها مثلًا، إلى الكتب التي لا بد أن تقرأها”.

هؤلاء ثلاثة نماذج مختلفة لثلاثة مترجمين من الجيل الجديد، ويمكن الاطلاع على شهادات آخرين عل موقع «تكوين» الذي تشرف عليه الروائية الكويتية «بثينة العيسى» والخاص بالكتابة الإبداعية والترجمات عنها، وما يهمنا في هذا السياق أن هناك وعيا جديدا قد تشكّل واهتماما خاصا بالترجمة لدى الأجيال الجديدة من المترجمين الواعدين، وهو ليس اهتمام نظري عابر، بل اهتمام قد تم اختباره وتطبيقه في الترجمات التي قام بها هؤلاء المترجمون، والتي نالت استحسان وإعجاب القرّاء.

تم نشر المقال لأول مرة في موقع إضاءات

شارك المقالة